printlogo


رقم الخبر: 199593تاریخ: 1400/7/4 00:00
على أعتاب ذکرى اربعینیة سید شباب اهل الجنة (ع)
الزیارة الأربعینیة تترجم قیماً إنسانیة وحضاریة خلودها خلود الدهر

  الزیارة الأربعینیة، أکبر مشروع إصلاحی لواقع الأمة     مؤتمر عالمی عنوانه أسمى معانی الحریة والعزة والکرامة
 إن ثقافة انتصار الدم على السیف أو انتصار النهج هو جوهر القضیة الحسینیة
 
تعد زیارة الإمام الحسین (ع) فی العشرین من صفر فی کربلاء، أو الزیارة الأربعینیة، أکبر مشروع إصلاحی لواقع الأمة بهدف بنائها على المستوى التوعوی والفکری والعملی، وتقویم وتحسین مسارها السیاسی والفکری. إن زیارة الأربعین تجمّع إنسانی وعالمی یتجاوز الطابع الدینی، ویشکّل حدثاً اجتماعیّاً غیر مسبوقٍ فی العالم لما تجمعه الزیارة من دلالات على المستوى التربوی والعقائدی والسیاسی والإعلامی والثقافی. تختزن الزیارة أکبر عملیة تفاعلیة على عدة مستویات، فهناک الارتباط بین عالمی الغیب والشهود؛ وامتداد الماضی والحاضر والمستقبل؛ ومفاهیم بناء النفس الإنسانیة؛ ودینامیکیات الثورة الإصلاحیة، وعناصر الهویة العاشورائیة، وغیرها.
 تؤمن الزیارة الأربعینیة أبعاد استراتیجیة الثورة بمعناها التقدمی التحرری الأوسع دلالة من الزمان والمکان بما ینتفی معه إمکانیة تصنیفها من المنظور العلمی بالظاهرة الخاضعة للعوامل الزمکانیة. فالزیارة، وإن تتسم بالطابع المذهبی الشیعی إلا أنها تعبّر عن تجذر القضیة الحسینیة فی الوجدان الإیمانی للمسلمین عموماً والضمیر الإنسانی للعالم أجمع، فهی عملیّاً نبض حیاة متجدد للفکر الثوری الجهادی الباحث عن الحریة من سلطة الظالمین وانعتاق الروح من قیود مفاهیم الخضوع والذل والانکسار.
فی التعریف والفضل
 یحیی المسلمون، وخاصة أتباع مذهب أهل البیت علیهم السلام فی العشرین من شهر صفر من کل عام ذکرى مرور أربعین یوماً على حادثة الطف أو واقعة کربلاء التی استشهد فیها الإمام الحسین بن علی (ع) مع عدد من أهل بیته من أبنائه وإخوته وأولاد إخوته وأبناء عمومته وأصحابه، وذلک فی العام 61 للهجرة النبویة، والزیارة تختصّ بالإمام الحسین (ع)، دون سواه، حیث لم یرد استحباب زیارة أحد من الأنبیاء والأوصیاء والأولیاء فی یوم الأربعین بعد وفاته أو شهادته. وتعود هذه السنّة الشریفة إلى الإمام السجاد علی بن الحسین (ع) مع عمته، السیدة زینب بن علی (ع)، عندما استرد الإمام رؤوس شهداء واقعة الطف من یزید بن معاویة، وألحقها بالأبدان الطاهرة فی کربلاء. وکان رکب الإمام السجاد یومها التقى مع رکب الصحابی الجلیل جابر بن عبد الله الأنصاری الذی جاء لیزور سبط النبی محمد (ص).
 یفد الزوار من مختلف أنحاء العالم، ومختلف محافظات العراق لزیارة المراقد والعتبات المقدسة فی العراق فی هذه المناسبة، وخصوصاً مدینتی النجف وکربلاء. وقد أعید الاعتبار الى احتفالات أربعینیة الامام الحسین بعد سقوط صدام حسین ونظامه ومنعها أکثر من ثلاثة عقود من الزمن. وتعدّ الزیارة الأربعینیة شعیرة من شعائر الله التی أکّدت الشریعة على تعظیمها لسموها ورفعة أهدافها، وجعلت تقوى القلوب ناتجاً طبیعیّاً ملازماً لها، لما لها من الأثر فی اجتماع القلوب حولها فی احیاء دین الله ونصرة أهداف رسالة الأنبیاء فی رفض الظلم على مدى تاریخ البشریة، وانسجام طرح القضیة موضع الاحیاء مع الفطرة البشریة فی التحرر من قیود الجور بأنواعها.
المظاهر الحسینیة فی الأربعینیة
 تعکس الزیارة السمة الحضاریة على صعید الفردی والمجتمعی فی الأمة ولدى أحرار العالم أجمع. ویجسد الزحف الملیونی من مختلف أنحاء العالم نحو کربلاء المقدسة تلک السمة فی مظاهر متعددة ومختلفة ومراسم ممیزة وشاقة. ترسم الزیارة لوحة رائدة فی التحرر، تبدأ مع «المشایة» عبر السیر على الأقدام باتجاه کربلاء المقدسة من جهات ثلاث: طریق بغداد أو طریق النجف أو طریق مدینة بابل.
 تشارک فی المراسم مختلف الفئات العمریة من الطفل الرضیع إلى الشیخ الکبیر، کما یلتحق بالرکب سقیم البدن وأعمى البصر. تعلو الرایات السود وتصدح المکبرات بالمجالس واللطمیات، وتنتشر على جانب الطریق الأیمن مضایف واستراحات، فضلاً عن مستوصفات ومراکز طبیة یشرف علیها أطباء وممرضون ومسعفون من دول العالم لتقدیم الاسعافات الأولیة والعلاجات الطبیة وبعض المساجات. وتنتشر قوات الشرطة والحرس الوطنی للقیام بالواجب الأمنی. یستقبل الکرم الحسینی الزوار مع توسل أصحاب المواکب الزوار واللحاق بهم للإستضافة والإطعام والشراب وغسل الملابس ورش العطر وما یتفرع الى ما یتعلق بالنوم والاستحمام والنقل، وذلک کرمى للإمام الحسین (ع) وخدمة للمولى. 
البعد الروحی
 إن الزیارة الأربعینیة (ع) بما تعبر معه عن ارتباط بالإمام الحسین (ع)کفیلة بتعزیز الارتباط بالله تعالى عبر تحویل ألفاظ الحب والأحاسیس والولاء للإمام الحسین (ع) من أتباعه ومحبیه، أو مشاعر الإعجاب بالقضیة التی جسدها من قبل غیر أتباعه، إلى ولاء حقیقی قوامه الموالاة للحق والعدل والإنصاف والثبات، والبراءة والکفر بالطواغیت والمستکبرین والظالمین. بهذا المعنى، یصبح الحب هو المحرک العملی الذی یستمد منه الإنسان قوة الارتباط بالمعانی النبیلة والقیم الرفیعة. ویؤهل هذا الشق العملی الإنسان للتحرک فی بیئته ومجتمعه وفق المفاهیم الإیجابیة سواء الإیمانیة أو العملیة فی ضرورة العمل الجاد والإعداد وعدم الخمول والیأس والرکون للظلم والظالمین. هذا، وتؤثر الأجواء والمظاهر التفاعلیة فی الزیارة وأثناء رحلة المشی فی ترک انعکاسات نفسیة؛ هی فی الجملة من الممارسات الدینامیکیة ما بین العناصر العقلیة والقلبیة بما یؤمن نوعاً من التحرر الروحی خارج الممارسات التقلیدیة الحیاتیة والروتین الأدائی والفکری.
 البعد الأخلاقی
 توفّر زیارة الأربعین عدداً من الدروس الأخلاقیة العملیة إذ تستخرج الملکات الأخلاقیة والصفات النفسیة الکامنة، وتکشف عملیّاً عن المستوى الأخلاقی ودرجته، سواء فی السفر أو فی درب المشایة والتعامل مع الآخرین وتدارک المواقف. ومن هذه المعطیات الأخلاقیة: الصبر والتواضع والإیثار والتضحیة بالمال والوقت وبذل الجهد وخدمة الآخرین وتقدیم المساعدة، والتعاون، والعفة، والعفو، والحلم، والأدب واحترام حرمات الطریق وغیرها من المعانی الفاضلة، والوفاء بالعهود سواء مع الله تعالى وأهل بیته الأطهار أو مع النفس والآخرین. وتعد هذه الکمالات من أفضل العبادات التی تکشف عن رقیِّ نفس الإنسان وتؤهلها للتضحیة الأعظم لأجل المبادئ والقیم السامیة وتساهم فی تربیة النفس وترویضها لتکون لائقة بحمل أبعاد القضیة الحسینیة، والاقتداء بها، کما تولّد حالة من التفاعل الروحیّ والنفسیّ بما یؤدّی إلى إیقاظ أسمى معانی الخُلُق الرفیع.
البعد الثقافی
 إن زیارة الأربعین مؤتمر عالمی عنوانه أسمى معانی الحریة والعزة والکرامة، ویحمل من المفاهیم الأخلاقیة والدینیة والمعنویة والاجتماعیة الکثیر بما یغنی طریق الإنسانیة بالعدید من الرایات والبیارق الحسینیة فی طریق بناء المجتمع القوی المتماسک. تستعرض الزیارة دروساً ثقافیة متنوعة، من أهمها ثقافة العمل الطوعی بما یخدم تطور المجتمعات؛ وثقافة التعایش السلمی والانفتاح على الآخرین؛ وثقافة التعامل وفق مبدأ الإنسانیة؛ وثقافة البذل والصرف فی سبیل الله، والإنفاق على حبه. وهذه المفاهیم تشترک مع الأبعاد الأخرى الاجتماعیة والاقتصادیة، بید أن من المفاهیم الثقافیة التی تعطی الثقل للبعد الثقافی فی الزیارة الأربعینیة فهی ثقافة انتصار النهج والتحلی بالبصیرة.
 إن الزیارة لیست طقساً جامداً من مراسم العزاء والحزن والبکاء، وإنما هی عملیة تأمل فی کیفیة مواجهة الظلم ولو ببذل الأرواح والأموال. هی عملیة تفاعلیة تکسر الجمود والسلبیة فی تأطیر القضیة بتجلیاتها المادیة الحسیة بعیداً عن عناصرها المتفاعلة فی تسطیر خلود الدم على السیف. وتشکل البصیرة المصداق الأتم فی الرؤیة الثاقبة لبواطن الأمور وحقائقها بما یحرکها باتجاه الهدف بعد تحدید الغایة. وتدفع البصیرة بمسار الالتزام بالقیادة قدماً، والإیمان بها بما یجعلها تمتثل لأوامرها وتجدد معها البیعة فی ساحات الجهاد. وهذه البصیرة هی التی صنعت محور المقاومة. 
 إن ثقافة انتصار الدم على السیف أو انتصار النهج هو جوهر القضیة الحسینیة التی تجسد الزیارة الأربعینیة أبرز مصادیق الالتزام بأهدافها وتطلعاتها ونشر رسالتها. تشکل الزیارة فرصة لا غنى عنها لنشر مبادئ النهضة الحسینیة، وإیصال تعالیمها وزیادة الوعی حول مبانیها ورفع الشبهات حولها. 
وللزیارة الأربعینیة فضائل کثیرة، وبما أنها معروفة لا نذکرها، فیکفی بأنها تعتبر من علامات المؤمن، ونحن على اعتاب ذکرى مرور أربعین یوماً على استشهاد الإمام الحسین (ع)، وقَدْ بذل نفسه وجاهَد، حتى قُتِل لمقصدٍ سَامٍ، وغَایَةٍ نَبیلة.
فحقیق على المسلمین - بل جمیع الأمم - أن یقیموا الذکرى فی کل عام للإمام الحسین (ع) . فإنه علیه السلام قد جَمَع أکرمَ الصفات، وأحسنَ الأخلاق، وأعظمَ الأفعال، وأجلَّ الفضائل والمناقب، عِلماً وفَضلاً، وزهادةً وعبادةً، وشجاعةً، وسخاءً وسماحةً، وإباءً للضَّیم، ومقاوَمة للظُّلم، وقد جمع إلى کَرمِ الحَسَب شَرَفَ النسَب . وقد جاهد الإمام الحسین (ع) لنیل أسمَى المقاصد، وأنْبل الغایات، وقام بما لم یَقُم بمثله أحد . فبذلَ علیه السلام نفسَه، ومالَه وآلَه، فی سبیل إحیاء الدین، وإظهار فضائح المنافقین، واختار المنیَّة على الدنیَّة، ومیتة العِزِّ على حیاة الذُل، ومصارع الکرام على اللِّئام .
وأظهر علیه السلام من عِزَّة النفس والشجاعة، والصبر والثبات، ما بَهَر به العقول، وحیَّر الألباب، واقتدى به علیه السلام فی ذلک کل مَن جاء بعده، ومن یمتلک مثل هذه الصفات .
فالحقُّ أنْ تقام له علیه السلام الذکرى فی کلِّ عام، وتبکی له العیون بَدَلَ الدُموعِ دَماً .
یقول الشاعر:
إذا شئت النجاة فزر حسیناً
لکی تلقى الإله قریر عینِ
فإن النار لیس تمس جسماً 
علیة غبار زوار الحسینِ

 


Page Generated in 0.0049 sec