printlogo


رقم الخبر: 196004تاریخ: 1400/4/29 00:00
مراجعة ومکاشفة

لم یتوقع أحد أن یبدأ خطاب القسم لمرحلة قادمة بالترکیز على کشف الأسباب التی مکنت الأعداء من النفاذ إلى ما بین ظهرانینا والمصارحة بالثغرات التی عانى منها الوعی المجتمعی والذی یجب أن یکون معیار قوتنا وأداتنا الأساسیة فی تحدی الصعاب. لم یأتِ السید الرئیس فی هذا الصدد هذه المرة على مؤامرات الخارج وتکاتف قوى الشرّ والعدوان على سوریة بل حاول استخلاص الدروس من الأحداث المتعلقة بواجبات المواطن تجاه وطنه وتمسکه بثوابته رغم کل المتغیرات والظروف.
وفنّد خطورة الحرب النفسیة الإعلامیة التی شنها الأعداء علینا خلال عشر سنوات مؤکداً أن الانتماء هو الحصن الذی یحمی الوطن مهما عتت التحدیات. حاول أن یفرز الغث من السمین فی المفاهیم والمسلّمات التی تطرح على الساحة من خارجها کل یوم، وربما لیست مصادفة أنه بدأ بالتعبیر عن إجلاله للمعلمین لأنهم صنّاع الأجیال وزارعو بذار المستقبل الأفضل.
قد تکون إحدى أهم مشاکل العرب أنهم لم یکتبوا أحداث تاریخهم بدقة ولم یعکفوا یوماً على مراجعة هذه الأحداث واستخلاص الدروس المستفادة کی تتعلم الأجیال القادمة من الأخطاء وتتجنب الوقوع فی الثغرات وتعمل على تصحیح المسار حیثما کان ذلک ممکناً. ولکن هذه المراجعة عملیة معقدة وتحتاج إلى الجرأة والثقة بالنفس والنظرة الاستراتیجیة المدى.
کما أن بناء المفاهیم الوطنیة الصرفة یعنی التخلص من المناطق الرمادیة التی یتم فیها الخلط بین الثوابت ووجهات النظر، ویعنی أیضاً الشفافیة والحسم فی المفهوم والعمل والتخطیط. هذه المراجعة الیوم تعنی أن نفهم بدقة اللغة والمفاهیم المصدَّرة لنا والتی تستهدفنا أولاً وأخیراً، وأن نتخذ منها موقفاً ونستبدلها بمفاهیمنا نحن ومرجعیاتنا نحن دون وجل أو تردد؛ وهذا یعنی فیما یعنیه تجاوز الظروف الراهنة مهما کانت صعبة أومتبدّلة والانخراط فی الرؤیة الواضحة الواثقة لنفرز من خلالها الخطوات الضروریة لتغییر هذا الواقع بما یحقق الطموح ویوجّه دفة المستقبل.
فی الثوابت أن الخیانة والارتماء فی شباک المخابرات الأجنبیة لا یجوز أن تلبس لبوس المعارضة، لأن المعارضة فی المبدأ یجب ألا تقل وطنیة وحرصاً وانتماءً عمّن یستلمون مقالید الأمور، وأما الخیانة فهی الجریمة القصوى التی یمکن أن ترتکب بحق الأوطان وعلینا أن نعرّیها ونفضح آثامها فی کل زمان ومکان.
متى یمکن للمواطن أن یکون واضحاً وصلباً فی مفاهیمه ومرجعیاته وأعماله؟ فقط حینما یحسم خیاراته بأن الوطن أولاً وثانیاً وثالثاً وإلى ما لانهایة، وأن الوطن یعلو ولا یعلى علیه، وأن إرادة العمل لیست مرتبطة فقط بالنتائج الآنیة بل مرتبطة بأن تبقى فی حلبة السباق، وحتى وإن لم تربحه علیک الاستمرار به لأنه الرهان الوحید الذی یجنبک الخذلان والخنوع.
وینسحب مفهوم الإرادة والانتماء هذا على مفهوم الانتماء للعروبة رغم کل الظروف الصعبة التی تعیشها البلدان العربیة قاطبة، ورغم الانهزامیة التی أصابت کثیراً من العرب وانعدام الثقة لدیهم بقدراتهم واحتمالات مستقبلهم، ومع ذلک تبقى العروبة هی الخلاص الحقیقی للعرب جمیعاً لأنه لا یمکن لأی بلد عربی أن ینهض بمفرده، وکل الشعارات المندسة بالنأی بالنفس أو الترکیز على الذات وإعطاء الأولویة للقطر، وکأن الامتداد العربی عبء، فهی مفاهیم وتخرصات الأعداء لمنع نهوض بلداننا والإبقاء علینا فی دائرة العجز وانعدام الحیلة. وإذا ما نظرنا وقارنّا بین المفاهیم التی یصدّرها خصومنا لنا وبین تلک التی یعملون وفقها فإننا نلحظ قمة التناقض.
ففی الوقت الذی یبثون فی کل بلداننا ضرورة التخلی عن قضایا العرب من فلسطین إلى لیبیا وسوریة والیمن والعراق نجد أن أعداء العرب یشکلون تحالفات مستمرة فی جمیع المجالات ویستمدون قوتهم من التنسیق والتعاضد والتعاون فیما بینهم، بینما یحاولون تقسیمنا إلى طوائف وأعراق وقبائل، وفی الوقت الذی ینفقون الوقت والمال والجهد لدعم ما یسمونه «المعارضة السوریة» فلا یمکن لنا أن نتخیل معارضة بریطانیة تدعمها روسیا مثلاً أو حتى ألمانیا، لأنهم یوصمون کل من یتعاون مع قوة أجنبیة ضد بلده بالخیانة العظمى، إلا فی حالتنا نحن فهم یدرجون هذه المفاهیم وکأنها مفاهیم مقبولة ولکن مقبولة فقط لنا فی نظرهم ولیس لهم.
وعلى سبیل المثال أیضاً تکتب الـ «بی بی سی» عن أطفال الدولة الإسلامیة التی اخترعوها، والمسجونین فی مخیم الهول فی سوریة دون أن یذکروا أن هؤلاء الأطفال هم نتاج الإرهابیین الذین صدّرتهم دولهم لنا لیعیثوا فساداً فی أرضنا ولیرتکبوا أفظع الجرائم بحق شعبنا.
هل یمکن لنا أن نصف المراجعة إذاً بمحاولة تنقیة للمفاهیم من کل الأفکار المغرضة المندسة علینا من الخارج ومحاولة تحلیل وفهم الأحداث وفقاً للمرجعیات الوطنیة الحصریة ولما یخدم مسیرة ومستقبل هذه الأمة؟ وهل یمکن إذاً أن نصف المرحلة الحالیة بمرحلة استخلاص العبر والدروس والبناء علیها کی لا یتمکن أحد من النفاذ إلینا مرة أخرى وکی نبنی المستقبل على أسس متینة بأفکار ومفاهیم وأیدٍ وطنیة خالصة؟ أی هل نتحدث الیوم عن حقبة الاستقلال الحقیقی؛ الاستقلال الذهنی والعاطفی والمفاهیمی عن الأعداء الذین رحلوا منذ عشرات السنین عن أرضنا ولکنهم ترکوا إرثاً آمن به البعض ودافع عنه فأثقل کاهل الجمیع وشکل عقبة دائمة فی طریق التحرر الحقیقی من ربقة الاستعمار والاستعباد.
هل من المخجل أن نتحدث عن ضرورة الاستقلال الثقافی بعد ستین عاماً من الاستقلال السیاسی؟ أم أن ذلک أصبح ضرورة وأن المخجل أکثر هو أن نستمر فی التغاضی عن مشاکل جوهریة فی مجتمعاتنا تتسبب بکارثة تلو أخرى وبنکسة تلو النکسة لأننا لا نرید الاعتراف بحقیقة ما ینغّص عملنا ویقف عثرة حقیقیة فی طریق تطورنا؟
منذ منتصف القرن الماضی حین نالت معظم الدول العربیة استقلالها من الاستعمار الغربی وجمیع العرب مستمرون فی الدوران فی فلک النظم التی استعمرتهم، سواء أکانت البریطانیة أم الفرنسیة،
غیر قادرین أو غیر راغبین بفک عرى الوشائج التی عمل المستعمر على إرسائها لیس فقط فی النظم والقوانین والأعراف وإنما فی العقول والقلوب أیضاً حیث تکمن الخطورة القصوى.
لقد نهضت الصین حین اتخذت قراراً استراتیجیاً واضحاً أنها سوف تعمل على شاکلتها متجاهلة تماماً الدعوات إلى دیمقراطیة لیبرالیة غربیة وإلى تعددیة حزبیة؛ فتمسکت بنظامها الاشتراکی وبحزبها الوطنی ووضعت الخطط وشحذت الهمم وانطلقت إلى الإنتاج والإنجاز دون أن تعیر اهتماماً لما یسطّره الآخرون عنها من تهم ومفاهیم تحاول أن تضرب أسس الثقة بالنفس. وقد ازدادت عزیمة الصین وتصمیمها على استقلالیة مسارها بعد أن شهدت کل الألاعیب والاختراعات الغربیة التی قادت إلى انهیار الاتحاد السوفیاتی والمعاناة التی خلقها هذا الانهیار لشعوب دوله والتی مازالت ارتداداتها تخلق الصعاب لهم وتقف عقبة کأداء فی طریق تقدمهم.
حین حسمت الصین خیاراتها باستقلال حضاری ثقافی مفهوماتی تمکنت من العمل والبناء والإنتاج والتقدم الحثیث؛ فهل هذا هو الیوم الذی تستخلص فیه سوریة الدروس کی تسیر فی مسار مشابه یترجم الاستقلال إلى رفضٍ لکل مفاهیم الارتهان التی یصدّرها لنا الإعلام الغربی الناطق بالعربیة وکل الاختراقات التی لا یکلّ الأعداء من دسّها بین صفوفنا؟ وهل تحوّل سوریة بهذا المسار المحنة إلى فرصة کی تقدم أنموذجاً فی الإدارة والعمل والاستقلال الحقیقی المؤسس لمرجعیات وطنیة عربیة لا تخطئ الهدف ولا تفرّط بذرة تراب مهما طال الزمن ولا تتخلى عن الأخوة فی اللغة والتاریخ والجعرافیا، ولا عن الحلفاء فی العقیدة والأخلاق والمبدأ والأهداف؟
جمیل أن ننتصر عسکریاً وأن نحرر أرضنا، وجمیل أیضاً أن نعمل على تحریر النفوس من کل مفردات التبعیة التی غرسها المستعمر الغربی کی یمنع علینا الانتصار فی معرکة البناء والتطویر.
بعد التضحیة لکسب الحرب التی شنها المستعمرون الغربیون، علینا أن نبدأ نحن وبإرادة صلبة حرباً على کل الثغرات والمخلفات التی سمحت لهم بالنفاذ إلینا من بوابات أخرى؛ فنغلقها بأیدینا ونعکف على تطویر أنفسنا وبناء المستقبل الأفضل لأجیالنا.
د. بثینة شعبان

Page Generated in 0.0054 sec